الطريقةُ الخلوتية الرمليةمشايخ الطريقة

بسم الله الرحمن الرحيم

مشايخ الطريقة

تراجم ومقدمات مشايخ الطريقة الخلوتية — رضي الله عنهم

اختر الشيخ

اضغط على صورة الشيخ لقراءة ترجمته

٦ تراجم ومقدمات
صورة الشيخ عبد الجواد الدومي
ترجمة وسيرة

العارف بالله الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله عنه

نشأته وطلبه للعلم ومؤلفاته وأقواله

بسم الله الرحمن الرحيم

من أعلام التصوف في مصر، ومؤسس الطريقة الدومية الخلوتية، جمع بين العلم والعمل، وترك أثراً روحياً وعلمياً في نفوس تلاميذه ومريديه.

وُلد الشيخ عبد الجواد بن محمد حسين الدومي في شهر شعبان من عام 1300 هجرياً بقرية «أم دومة»، التابعة لمركز «طما» بمحافظة سوهاج، وتوفي عام 1362 هجرياً. وتنحدر أسرته من قرية «بناويط» بمركز «المراغة» في سوهاج؛ إذ انتقل جده الحاج حسين الدومي إلى أم دومة وهو شاب، وما زالت أسرته تقيم فيها حتى اليوم. وكانت أسرته متوسطة الحال، عُرفت بالتمسك بالدين والبساطة في المعيشة.

ويروي والده، الحاج محمد الدومي، أنه رأى رؤيا قصّها على الشيخ عبد الجواد المنسيفسي، الذي كان يزور القرية آنذاك. فبشّره بأنه سيرزق بمولود ذكر فقيه وعالم ينفع الناس بعلمه وأخلاقه. وبعد مدة قصيرة رزقه الله بولد، فسمّاه «عبد الجواد» تيمناً بالشيخ المنسيفسي.

نشأته وطلبه للعلم

اهتم والده بتحفيظه القرآن الكريم منذ صغره، فبدأ الحفظ في كتّاب القرية وهو في «خمس سنوات»، وأتمّه قبل أن يبلغ العشر. ثم تتلمذ على يد الشيخ عبد الجواد المنسيفسي، فتعلّم منه مبادئ الطريقة الخلوتية وآدابها، والتربية والسير والسلوك. وأوصاه شيخه قائلاً: «إن قراءة القرآن هي وردك في الطريق الآن».

وفي سن الثالثة عشر، وتحديداً في شهر ربيع الثاني عام 1313 هجرياً، رحل إلى الأزهر الشريف لدراسة الفقه والشريعة، وتتلمذ هناك على أيدي الشيخ سليم البشري، والشيخ محمد السمالوطي، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ عنتر المطيعي. وعُرف بشغفه الكبير بالعلم ومواظبته على المذاكرة.

حياته العلمية والدعوية

بدأ الشيخ عبد الجواد الدومي إلقاء المحاضرات وإمامة الناس وهو في السابعة عشر من عمره، بعد أدائه شعائر الحج. وتُروى في شأن توجهه إلى الحج حكايةٌ مفادها أنه كان يطالع درسه، فأخذته سنة من النوم، فرأى شخصاً أسمر اللون، نحيف البدن، طويل القامة، يحمل إليه بطاقة كأنها برقية من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، كُتب فيها: «عبد الجواد محمد. احضر حالاً». فسأله: «ومن أنت؟» فقال: «بلال». فانتبه فرحاً مسروراً، ونهض من فوره مستعداً لتلبية الدعوة. وبعد ذلك أذن له مشايخه بالانطلاق لهداية الناس وتعليمهم أمور دينهم.

تزوج الشيخ وأقام في القاهرة، ورُزق بولد هو الشيخ «محمد عبد الجواد الدومي». وقد أشاد به علماء عصره، ووصفوه بالعالم والمحدّث والإمام والفقيه والمدرّس والمفسّر؛ أحبه الناس وأحبوه. وعمل في عدد من المساجد، منها مسجد السليمانية ببولاق الدكرور، ثم انتقل إلى مسجد العدوية في المنطقة نفسها.

وعندما بلغ الثلاثين، انتقل إلى مسجد «الزيني» بالسبتية في بولاق أبو العلا، واستقر فيه ما يقرب من 25 عاماً، معلماً للناس وإماماً وخطيباً. وقد حاضر في بلدان كثيرة، وصار له تلاميذ من أماكن متعددة.

في تفسير القرآن الكريم

عزم الشيخ على تفسير القرآن كاملاً، لكنه لم يتمكن من إكمال ما اعتزمه بسبب المرض. واعتمد في تفسيره على أساسين: «النبويات»، وهي الآيات الواردة في حق الأنبياء والرسل عليهم السلام، و«التفسيرات العامة»، وهي الآيات المثبتة للبعث والحشر بعد الموت، والآيات الدالة على مظاهر القدرة الإلهية وخلق الإنسان وأطواره وغيرها.

وكان يراعي قبل الخوض في التفسير ركنين أساسيين: «حق الألفاظ»، أي مراعاة معانيها اللغوية التي وُضعت لها، و«حق العصمة»، أي إحاطة الأنبياء والرسل بسياج من الحيطة والحصانة، فهم محفوظون من الوقوع في المنهيات والأخطاء، وقدوة للبشر ونور للهداية.

رؤيته للتصوف

قال الشيخ عبد الجواد الدومي: «التصوف هو العمل بالعلم»، وأكد أنه «الصراط المستقيم وصراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين». ورأى أن غاية التصوف هي «يقظة القلوب»، وأن الإنسان نفسه هو موضوعه؛ فالتصوف، في نظره، من مقتضيات الفطرة الإنسانية وثمرة العقل الذي يميز الإنسان عن سائر الموجودات.

وكان يظهر بأناقة وتناسق، ويرتدي أحسن ما يستطيع من الثياب؛ إذ فهم أن التصوف لا يتنافى مع الزينة والجمال.

مؤلفاته وأقواله

ألّف كتابين:

تفسيرات الدومي

نفحات الدومي

وله كتابات متعددة في الآداب والأحكام والفضائل.

ومن أقواله:

«الطاعة تجمعنا والمعصية تفرقنا».

«اجعل رأس مالك مسامحة إخوانك».

«دستور الصداقة يقوم على حسن الأدب ورقة الإحساس».

«الحياة ميدان يوم لك ويوم عليك والعاقبة للمتقين».

وكان يوصي أتباعه ومريديه بحسن العشرة مع الناس، ورعاية حقوق الأهل والعيال، والقيام بحق الوظيفة أو الصنعة؛ ويرى أن ذلك من أسباب الترقي في الطريق والقبول عند الله.

وفاته وتلاميذه

بدأ الشيخ تفسير النصف الأخير من القرآن حتى أتمه، ثم شرع في تفسير النصف الأول، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، من سورة آل عمران. غير أن المرض حال دون إكماله، ولازمه أربع سنوات متتاليات، حتى لقي ربه في نهاية عام 1362 هجرياً. ودُفن في الضريح الكائن بالطحاوية، في الجهة الشرقية من ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه.

ومن تلاميذه: الشيخ محمد سليمان سليمان، والشيخ محمد أحمد الرملي، والشيخ محمد أحمد الطاهر الحامدي، والشيخ محمد مرسي الطنطاوي، والشيخ عامر عبد الرحيم سعيد، والشيخ علي عثمان عزوز، وغيرهم.

المصادر:

السلسلة الذهبية في تراجم مشايخ الخلوتية، بقلم السيد بن إبراهيم الغريزي.

سيدي عبد الجواد الدومي، بقلم محمد المنطاوي.

صورة الشيخ محمد أحمد الرملي
ترجمة وسيرة

العارف بالله تعالى سيدي الشيخ محمد الرملي رضي الله تعالى عنه

سيرته وخلقه وطريقه وقصائد الثناء عليه

بسم الله الرحمن الرحيم
من أقطاب الطريقة الخلوتية

ولد العارف بالله تعالى السيد محمد أحمد الرملي رضي الله تعالى عنه بالقاهرة سنة 1890م.

وأصل أسرته من (رملة العطارة) قرية معروفة من قرى بنها، وكان أبوه رحمه الله رجلاً صالحاً، وجده كان من خيار الصالحين في هذه الأمة.

وله جدٌ أعلى مدفون ببلدهم، له ذكرى طيبة، وسيرة ذاتية ومآثر معروفة.

أما شيخنا الرملي عليه سحائب الرحمة والرضوان فقد كان علماً من أعلام الطريقة الخلوتية وواحداً من الكرام الأفذاذ، كان بحق قدوة للسالكين وحجة من حجج الله تعالى، كان يربي المريدين ويدعوهم إلى الله تعالى على بصيرة كما شهد ذلك أستاذه الدومي وصدقه الواقع الملموس، قال عنه أستاذه: إن الرملي عند أهل الله تعالى كالبخاري عند أهل الحديث.

نشأ من صغره مهذباً فاضلاً، سليم الفكرة، وافر العقل، نزيه النفس، طيب القلب، متعلقاً بالله تعالى مولعاً بحبه وذكره، إذا نام نام مشغولاً به وإذا استيقظ استيقظ مشغولاً به، محباً للصالحين، معتقداً فيهم، معظماً لأهل العلم، متقرباً إليهم، خاشعاً قانتاً، صدوق اللسان عفيفه، حلو الحديث جميل المعاشرة، لا يشبع الإنسان من مجالسته ولا من حديثه، عظيم الحياء واسع الصدر، لا يضيق ولا يضجر ولا يتسرع ولا يتعجل، زاهداً في الدنيا الزهد الحقيقي الخالي عن التصنع والتكلف، لا يأسى منها على مفقود ولا يكثر الفرح بموجود ولا يطمع في غير ما قسم له.

قد سد على نفسه باب ملاحظة الخلق، لا يحفل بثنائهم ولا يتبرم بذمهم ونقدهم، يبالغ في إخفاء عباداته وأحواله، ويتضايق من كثرة إقبال الناس عليه، حتى إنه إذا جلس في مكان ورآهم قد كثروا حوله تركهم وقام.

يحكى عنه شيخنا محمد أحمد الطاهر رضي الله تعالى عنه أنه قال له مرة بصدد الحديث عن كثرة الإخوان وقلتهم: والله لو انفضوا جميعاً من حولي ما تحركت مني شعرة واحدة!.

قد وكل أموره كلها لله تعالى راضياً عنه واثقاً به في كل حال.. وكان محباً للصدقة عطوفاً، يجود بما قل وكثر، لا يمر عليه يوم إلا ويحسن فيه إلى محتاج.

جعل رأس ماله لا مسامحة إخوانه فحسب بل مسامحة الناس عامة، حتى من يسيئون إليه ويظاهرون بجفوته! ولا يكاد يمضي أسبوع أو نحوه حتى يسامح الإخوان ويطلب منهم مسامحته، وكان يقول: إن الإخوان لا يتحقق لهم مطلوب ولا يرفع لهم دعاء إلا إذا تصافت قلوبهم وسامح بعضهم بعضاً. كان لا يحقر فقيراً ولا يجحد لفاضل فضله.

تلقى الطريق عن شيخنا العارف بالله تعالى الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله تعالى عنه

سنة 1911م. وتربى في حجره وتم عليه سيره وخدمه ولازمه ملازمة صدق وحب مدة حياته وجعله حجة بينه وبين الله تعالى، يعمل بنصائحه ويقف عند أوامره، لا ينازعه ولا يماريه،

ولكن يسأله عما يحتاج إليه بأدب ويتلقى جوابه بقبول ويحمل ما يراه منه على أحسن محامله، بل كان يلتمس المعاذير لكل إنسان ما أمكنه، ولطهارة قلبه وصفاء لبه فتح الله له أقفال الطريق ومنّ عليه بنور البصيرة وصدق الفراسة في أمد قريب، ومع ذلك فحين أذن له أستاذه بالإرشاد

ودعوة الخلق إلى طريق السداد استعفاه مراراً معتذراً له بقصور همته وقلة علمه، ولم يقبل هذا المنصب حتى قال له الأستاذ: إن توقفك هذا يغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويعتبر عقوقاً لأهل الطريق.

وكم هدى الله تعالى به من الحيرة وأيقظ من الغفلة ونفع به خلقاً كثيراً، وقد أجرى الله تعالى النفع على يديه في الدنيا كما أجرى النفع على يديه في الدين.

التحق بمصلحة السكك الحديدية ومكث فيها أكثر من أربعين عاماً، تولى أثناءها أعمالاً هامة

ورأس عمالاً كثيرين، فما ظلم أحداً ولا تسبب في مظلمة ولا تدنست يده الطاهرة بشيء قط، بل كان على الدوام سبباً في إيصال الخير ووصل العيش لطالبيه. هذا مع العفة والنزاهة النادرة والخلق الحسن الجميل. وحسبك أنه عاش صغيراً في مصر (القاهرة) بلد العجائب والمغريات، وعاشر في عمله الرسمي بعض الأوساط التي لا تعرف الطريق ولا تهتم بشعائر الدين والاعتقاد في الصالحين، فلم يزل بعناية الله محفوظاً من كل ما يشوش عقله أو يكدر صفاء قلبه. كان في بداية أمره يتعبد على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، ولكنه بعد ما صحب شيخه العارف الدومي رضي الله عنه وهو مالكي المذهب انتقل إلى مذهبه وحضر عليه كثيراً من دروس الفقه والتوحيد والحديث والتفسير والتصوف، حتى كان - مع عدم شهرته في العلم - بصيراً بدينه فقيهاً في نفسه صافياً في معرفته، بل كان عالي القدر في علمي التوحيد والتصوف وفقه السنة النبوية، يتكلم عن ذوق ويعبر عن وجدان...

وقد وصفه شيخنا محمد الطاهر رضي الله عنه في بعض قصائده مشيداً بما وهبه الله تعالى من كريم السجايا وعظيم العطايا، ومشيراً إلى ما وصل إليه من مقامات تدق عن الأفهام ولا تستطيع بيان كنه حقيقتها الأقلام فقال:

يا سيدا كملت أخلاقه وزكت *** مقامك الفذ فوق الشعر والخطب

هبني وصفت معانيك التي ظهرت *** فكيف وصفي لسر فيك محتجب

سر المقام الذي أوتيته هبة *** وقد تسامى عن التسطير والكتب

فإن من ضمنه ما لو أفوه به *** رميت بالزور والبهتان والكذب

أخفيت حالك حتى ضله نفر *** وأصبحوا فيك في شك وفي ريب

لم يبصروا من محياك البهي سنا *** وهل ترى مقلة العمى سنا الشهب؟!

ظنوا الحقيقة والعرفان سفسطة *** يجيدها كل معتاد على الصخب

وما دروا أنها فيض منحت به *** وإن تكن أنت ما قصرت في طلب.

وقد وافته منيته وطواه القدر المحتوم بعد منتصف ليلة الخميس الموافق

14 رجب سنة 1373هـ. ورجعت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية مغتبطة بلقائه مشتاقة لجواره، بعد حياة كريمة قضاها في البر والتقوى، كانت لحمتها وسداها محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ودفن رضي الله عنه في ضريحه المنوّر بجوار شيخه ومربيه العارف بالله تعالى الشيخ الدومي عليهما من الله سحائب الرحمة والرضوان.

صورة الشيخ محمد الطاهر الحامدي
ترجمة وسيرة

الشيخ محمد الطاهر الحامدي رحمه الله

علمه ومؤلفاته وقصائده الصوفية

بسم الله الرحمن الرحيم

عالمٌ عارف، جمع بين الشريعة والحقيقة، هدى إلى السنة ودعا إلى الطريقة.

وُلد رضي الله عنه في قرية أرمنت الحيط عام 1901م، ونشأ في أسرة عريقة في الدين والعلم والتصوف. وكان والده عالماً كبيراً ومتصوفاً عظيماً، ومن شيوخ الخلوتية العارفين الذين أناروا الطريق للسالكين، وأقاموا عليه الحراسة بنور أدلة الشرع المبين.

التحق الشيخ محمد الطاهر الحامدي بالأزهر الشريف عام 1916م، ونهل من علومه حتى تخرّج فيه عام 1934 م، عالماً من صفوة العلماء. وفي أثناء دراسته، التقى بالشيخ عبد الجواد محمد الدومي رضي الله عنه، فأخذ عنه الطريق، كما التقى بالشيخ الدجوي، الذي كان يعرف والده. وأذن له الشيخ الدومي بنشر الطريق، وكذلك خليفته الشيخ محمد أحمد الرملي، بعد أن جدّد عليه.

وبعد تخرّجه، عُيّن مدرساً بمعهد أسيوط، ثم نُقل إلى معهد القاهرة، وانتُدب شيخاً لمعهد إسنا. لكنه آثر العودة إلى معهد القاهرة؛ ليتفرغ للقيام بأمر الطريقة التي وهب لها نفسه ووقته، ويدافع عنها بقلمه ولسانه.

من مؤلفاته:

المنحة الربانية، وأنوار التحقيق، وأساس السعادة في الدارين، والإنسان والإسلام، ونور الهداية للعارف الرملي. كما ترجم لأستاذيه الدومي والرملي، وكان شاعراً لا يُبارى، ولا سيما في المناسبات الدينية، ونشر كثيراً من شعره في الصحف والمجلات.

ومن مصنفاته الصوفية كتاب «أنوار التحقيق في تأييد أوراد الطريق»، وفيه مباحث صوفية وشرح لها، وكذلك القصيدة المعراجية، التي يقول في مطلعها:

الحب يبلى جوانحي يتضرم

والعهد لا يبلى ولا يتصرم

أودى الهوى بي واستبد بي الجوى

وسقاني الصبر المرير اللوم

وله أرجوزة صوفية تُعد رسالة في تربية سلوك المريدين ومنهجاً في علم التصوف، يقول فيها عن الشيخ المربي وسماته:

وإن تقل لي هل له كرامة

قلت التقى ومحض الاستقامة

وقوفه على حدود الشرع

وقسطه عند العطا والمنع

ومن مصنفاته أيضاً «رسالة المنحة الربانية فيما يتعلق بالأسباب والرؤيا المنامية»، إلى جانب مؤلفات أخرى كثيرة.

المصدر: كتاب «مناقب الصاوي أستاذ الشيوخ وعمدة أهل التحقيق والرسوخ»
إعداد وتقديم: محمد عبد الحليم عبد الحميد، المدير العام بالأزهر الشريف سابقاً، صـ 198.
صورة الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد
ترجمة وسيرة

ترجمة مولانا العارف بالله الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد رضي الله عنه

العلم والورع والقناعة وخدمة مسجد السباعي

بسم الله الرحمن الرحيم

هو العالم التقي الورع النقي، صاحب الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة، والكرامات الباهرة، والمناقب الواضحة، والسيرة العطرة، والأنوار الساطعة. كان رضي الله تعالى عنه متمسكاً بالشرع الحنيف والسنة النبوية الغراء في مأكله ومشربه، وقيامه وجلوسه، وجميع حركاته وسكناته منذ نشأته دائم النظر والتفكر في ملكوت الله لا يشغله شاغل إلا التأمل في هذا الكون العجيب.

وقد لفت كثرة استغراقه وتأمله نظر والده فظن أن به مرضاً فعرضه على العارف بالله المنسفيسي في زيارته لبلده المدمر، فنظر إليه وقال رضي الله عنه: (اترك لي عامر) ومنذ هذه اللحظة تعلق قلب شيخنا بالعارف بالله تعالى المنسفيسي حتى إنه كان يقطع المسافات البعيدة من قرية المدمر إلى قرية عواجة ماشياً على قدميه لاجتماعه به وحضور دروس علمه وكان من أثر هذا التعلق أن توجه فضيلته لحفظ القرآن الكريم.

الإجازة العالمية

ولما أتم حفظه سافر إلى الإسكندرية وحصل على الشهادة الابتدائية من معهد الإسكندرية وكان الطلاب يدرسون بمسجد سيدي ياقوت العرش.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عاد من الإسكندرية متجهاً إلى معهد أسيوط الديني والتحق به وحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم اتجه إلى كلية أصول الدين بالقاهرة وحصل على الشهادة العالمية مع تخصص المادة (دكتوراه) قسم التفسير والحديث عام 1936م.

قرار التعيين

ثم رشح فضيلته للتدريس بالأزهر وأثناء المقابلة مع شيخ الأزهر (الإمام المراغي) آنذاك، وكان سَمْتُ شيخنا في أقواله ينم عن منهجه الصوفي، الأمر الذي جعل شيخ الأزهر يعدل عن تعيينه، ولما عرف العارف بالله الشيخ الدومي بعدم تعيينه، وكان شيخنا قد تلقى العهد عليه، قال له: (أما ترضى أن تكون مكاني إماماً وخطيباً لمسجد سيدي السباعي) هل كانت هذه إشارة من الشيخ بدنو أجله رضي الله عنه ولحاقه بالرفيق الأعلى؟! وعندما اشتد المرض عليه أشار إلى صهره الحاج أمين عبد السلام وكان رجلاً صالحاً من أبناء الطريق العاملين أن يقوم بإجراءات التعيين لفضيلة الشيخ عامر إماماً للمسجد وقد عين بالشهادة الثانوية إماماً لمسجد السباعي، فرضي بذلك مؤثراً الإمامة على أي عمل آخر يتفق ومؤهله العالي الكبير الذي يعادل شهادة الدكتوراه في عصرنا وذلك امتثالاً لرغبة شيخه ولم يترك المسجد والإمامة ولم يرضَ بأي ترقية وظيفية حتى نهاية عمره.

القناعة من الرضا:

واستمر الشيخ عامر قانعاً راضياً بما يقوم به من عمل سنوات طويلة حتى صدر قرار بإنصاف الموظفين حملة الشهادات العليا، وكان الشيخ عامر واحداً منهم وجاء إليه الشيخ حسين خليل يهنئه على زيادة مرتبه إلى الضعف، فردَّ عليه الشيخ عامر ودموعه تسابقه.. حتى أنت يا مولانا؟ فقد كان الحساب يوم القيامة على خمس جنيهات فأصبح الآن عشرة.. وظل يبكي بكاءً شديداً، وهذا من أهم ما يميز الشيخ عامر (القناعة) وكان دائماً يقول إن القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، فهذا أول الرضى وهذا أول الزهد.

ومن أهم ميزاته رضي الله عنه أنه كان يأخذ نفسه بعزائم الأمور ولا يترخص في شيء من معاملاته ومجاهداته لأنه كان لا يقول ولا يعلم إلا ما يفعله واقعاً، ولذلك رأى الناس فيه نوعاً من التشدد وما ذاك إلا لشدة خوفه من أن يصدق عليه قوله تعالى: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ»

زواجـه:

في الوقت الذي تولى فيه إمامة مسجد السباعي بإذن من شيخه الدومي فإنه قد تزوج بإذنه أيضاً، فقد قال له الإمام الدومي زوجتك في بيت فلان أو عند فلان، فلما ذهب إلى رؤية من يريد الاقتران بها، قالت في دهشة عندما رأته: هو الشيخ الذي رأيته في المنام، وكانت رأت في المنام وهي تقرأ سورة الضحى رجلاً شقَّ جدار منزلها في بلدتها (طوخ) وأخذ يصحح لها قراءتها في تلك السورة فانصرف ثم استيقظت، فلما جاء لخطبتها عرفته وقالت هو الشيخ الذي رأيته في المنام.

من خطبه رضي الله عنه:

اعلم أن المطلوب من الناس أن يقوموا بأمر دنياهم فإنه لا ينتظم الدين إلا بالدنيا، ولا تنال السعادة غداً إلا من هنا فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وهي الآلة الموصلة إلى رضا الله عز وجل، لمن اتخذها آلة وطريقاً، ولم يتخذها موطناً ومستقرًّا، واعلموا أن الدولة بالرجال ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا في الصناعة والزراعة والتجارة، والعمل الدائم في سبيل الإنتاج وإتقان الأعمال، فإتقان العمل وتجويده أساس الإنتاج والزيادة، ومطلب شرعي يثاب العبد عليه دنيا وأخرى، فالمطلوب من المسلم إذا صلى أن يحسن صلاته ويؤديها على الوجه الأكمل الذي أمر الله به، وكذا باقي العبادات، وإذا كان صانعاً فالمطلوب منه أن يحسن صنعته، وأن يعمل على زيادة الإنتاج، وكذا الحال في باقي المهن حتى يجني منها أطيب الثمرات وينفع نفسه وأهله.

وفي كلتا الحالتين كن طالباً رضا مولاك، فالمؤمن الكامل الذي رزق يقظة الفؤاد يثاب على طعامه وشرابه ونومه وتناول شهواته بحسن نيته وإخلاصه لربه، كما يثاب على صلاته وصومه، فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على ما ينفعكم في دينكم ودنياكم قبل أن ينتهي موسم حصادها.

قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم).

ومن خطبه أيضاً:

قال صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة» قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع لنفسه ويتصدق» قال فإن لم يستطع؟ قال: فيعين ذا الحاجة والملهوف، أرأيت إن لم يفعل؟ قال: فيأمر بالخير فإن لم يفعل فيمسك عن الشر فإنها صدقة (رواه أحمد والشيخان والنسائي).

أيها المسلمون هذا الحديثُ الكريمُ قد جعل الناس درجات حسب مواهبهم فالقوي الجَلْد زكاة قوته وجَلده أنه يزيد في إنتاج الأمة ويساهم في النهضة العامة وأن يصل نشاطه بنشاطهم لإسعاد نفسه وإسعادهم، وأن يتعاون معهم على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان وهو بهذا العمل ينفع نفسه ويؤدي الحق الواجب عليه تجاه مجتمعه، فاتقوا الله عباد الله وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.

الحديث جاء في الخبر: أي الناس أحب إلى الله فقال: «أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. (رواه عبد الله).

فضائل الأخـلاق: استمر رضي الله عنه طيلة حياته يربي أجيالاً من الشباب والرجال والنساء على فضائل الأخلاق فكان دائماً يقول: إن من شروط التصوف الالتزام بالطريق الموصل إلى محبة الله ورضوانه والذي يصفو فيه القلب من الأغيار ويكون شغله الشاغل معرفة الله ومحبته وذكره ومراقبته على كل حال وفي كل مكان وزمان، فالقلب الذي صفا من الأغيار لا يرى غير الله تعالى.. وظل يعمل جاهداً على تصحيح المفاهيم الإسلامية وكذا تصحيح المفاهيم الخاطئة عن التصوف، وتولى مشيخة الطريقة بعد انتقال فضيلة الشيخ محمد الطاهر من 1977م حتى 1991م، وقد انتقل رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى في 7 ربيع الأول سنة 1412هـ الموافق 16 سبتمبر 1991م، رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا به رضي الله عنه، ودفن مع مشايخنا بالضريح العامري بالطحاوية بالإمام الشافعي بسفح المقطم.

صورة الشيخ مروان أحمد مروان
مقدمات الطبعات

مقدمات مروان أحمد مروان

مقدمات الطبعات الثالثة والرابعة والخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم
مجموعة مقدمات في طبعات وأزمنة مختلفة
مراجعة إملائية وترقيمية مع المحافظة على أسماء المشايخ كما وردت في المصادر المصوّرة.

مقدمة الطبعة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي اقتضت رحمته بعباده أن يعرّفهم عن طريق شرائعه بنفسه، وبعض فضله وكرمه، جعل العمل بتلك الشرائع موصلاً للجلوس على بساط أنسه، والتفضل على ذاكريه بالمحبة، وأسرار انطلاعهم إليه بمجاميع جمال الربوبية.

اللهم صل صلاة كاملة وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد، إنسان عين الوجود، صلاة ترضيك وترضيه وترضي بها عنا يا رب العالمين، وعلى جميع الآل والصحب وسائر المهتدين.

أما بعد: فإن طريق السادة الصوفية هو تقوى الله عز وجل مع الإنقاذ والإخلاص بشريعته على الإحسان، أداء كلمة العبودية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها، فأصولها شرائع الإسلام، وفروعها التنزل إلى الملك العلام، وكنهها معرفة الحي الذي لا ينام. فهي للسليم الزاد الموصل لسعادة الحياتين، وللمريض المشفى الحسي وزيادة.

ومن ذلك يتبين أنها للإنسان من أول الضروريات، وأن الشريعة الغراء مصدرها، منها سندها ولحمتها. ولذلك قالوا: «من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق». وقالوا أيضاً: «طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة، فمن لم يعلمهما فليس منا ولا من أتباعنا».

وسند هذا الطريق موصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أمين الوحي عليه السلام، إلى رب العزة جل وعلا. وهذا السند في كل حلقاته بالغ مبلغ التواتر، يعرف ذلك كل من خالط أهل الطريق وكانت له المعرفة الخاصة بطريقتهم.

وما وقع الإنكار عليهم إلا من جاهل بالشريعة أو غافل لم يدر ما هم عليه على الحقيقة، واكتفى بمجرد نظر سطحي إلى بعض الظواهر التي تبدو إما من دعي دخيل، أو مغلوب على نفسه مقهور، وكلها لا يصلح حجة للإنكار.

فطريق الصوفية متعددة في عددها وغايتها، متعددة بتعدد السالكين فيها، مختلفة الأسماء والمناهج باختلاف طرق الدعاة إليها في توجيهات مريديهم داخل دائرة الكتاب والسنة، على قدر الأذواق والفتوح التي يفتح بها على كل منهم في فهم مقاصد الشارع الحكيم.

وقد اختصت طريقتنا الخلوتية بثلة من المزايا يدركها من سلكها ويذوق حلاوة عرفها، وهذه طائفة من أورادها أشار بإعادة طبعها في ثوبها الجديد، تيسيراً أكثر لطالبيها في تحصيلها والانتفاع بها.

وذكر الحزب الصغير لسيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه في مقدمة هذه الأوراد، وإن لم يكن من أوراد السادة الخلوتية.

وقد أمر شيخنا أعزه الله بإعادة ورد السحر لسيدي مصطفى البكري رضي الله عنه إلى هذه الأوراد، وأذن جميع الإخوان بهذه الأوراد، بل رغبهم في تلاوتها وحثهم على ملازمتها، مع الهمة واستحضار القلب، لما يترتب على ذلك من خير الدنيا وسعادة الآخرة.

جزاه الله عن الطريق خيراً، ووفقنا لاتباع نصائحه الغالية وإرشاداته القويمة. إنه سبحانه وتعالى ولي الهداية والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه سلم.

مروان أحمد مروان
المدرس بالمعاهد الدينية
١٣ جمادى الآخرة ١٣٨٥ هـ — ٨ أكتوبر ١٩٦٥ م

مقدمة الطبعة الرابعة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي اقتضت رحمته بعباده أن يعرفهم عن طريق شرائعه بنفسه، وبعض فضله وكرمه، جعل العمل بتلك الشرائع موصلاً للجلوس على بساط أنسه، وتفضّل على ذاكريه بالمحبة، وآنس انقطاعهم إليه ببديع جمال الربوبية.

اللهم صل صلاة كاملة، وسلم سلاماً تاماً على سيدنا محمد إنسان عين الوجود، صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين، وعلى جميع الآل والصحب وسائر المهتدين.

أما بعد: فإن طريق السادة الصوفية هو تقوى الله عز وجل مع الإتقان، والعمل بشريعته على الإحسان، أداءً لحق العبودية التي خلق الله الجن والإنس من أجلها. فأصولها شرائع الإسلام، وفروعها التبتل إلى الملك العلام، وتمامها معرفة الحي الذي لا ينام. فهي للسليم الزاد الموصل لسعادة الحياتين، وللمريض المشفى الحسي وزيادة.

ومن ذلك يتبين أنها للإنسان من أول الضروريات، وأن الشريعة الغراء مصدرها، منها سندها ولحمتها. ولذلك قالوا: «من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق».

وسند هذا الطريق موصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى أمين الوحي عليه السلام، إلى رب العزة جل وعلا. وهذا السند في كل حلقاته بالغ مبلغ التواتر، يعرف ذلك كل من خالط أهل الطريق، وكانت له المعرفة الخاصة بطريقتهم.

وقد اختصت طريقتنا الخلوتية بجملة من المزايا يدركها من سلكها ويذوق حلاوة عرفها. وهذه طائفة من أورادها أشار بإعادة طبعها في ثوبها الجديد، تيسيراً على طالبيها، وتسهيلاً للانتفاع بها، حضرة أستاذنا العارف بالله تعالى الشيخ محمد أحمد الطاهر الحامدي، أمد الله في عمره، ونفع سائر الإخوان بنور مدده. آمين.

وذكر الحزب الصغير لسيدي إبراهيم الدسوقي رضي الله عنه في مقدمة هذه الأوراد، وإن لم يكن من أوراد السادة الخلوتية، إلا أن شيخ مشايخنا العارف بالله تعالى سيدي عبد الجواد المنسفيسي رضي الله عنه كان يرغب فيه ويحث على تلاوته.

وقد أمر شيخنا، أعزه الله، بإعادة ورد السحر لسيدي مصطفى البكري رضي الله عنه إلى هذه الأوراد تيمّناً للفائدة، وأذن جميع الإخوان بهذه الأوراد، بل رغبهم في تلاوتها وحثهم على ملازمتها مع الهمة واستحضار القلب، لما يترتب على ذلك من خير الدنيا وسعادة الآخرة.

جزاه الله عن الطريق خيراً، ووفقنا لاتباع نصائحه الغالية وإرشاداته القويمة. إنه سبحانه وتعالى ولي الهداية والتوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

مروان أحمد مروان
شيخ المعهد الديني بملوي
٦ جمادى الأولى ١٣٩٤ هـ — ٢٨ مايو ١٩٧٤ م

مقدمة الطبعة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بذكره تطمئن القلوب، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الحبيب المحبوب، يا رب كل طالب ودليل كل محبوب، صلاة وسلاماً بدوام دوامك، وببقاء بقائك، وعلى آله وصحابته وعلى كل من صدق برسالته، وانشرح بفضلك منا الصدور، وتنورت لنا الظواهر والقلوب.

وبعد، فإلى الأحبة في الله، السالكين في طريقه على بصيرة، المترسمين لخطوات حبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، أقدم هذه الباقة من الأوراد الخلوتية، واللآلئ الغالية السنية، المنتقاة بعناية الدقة والعناية من هدي خير البرية، في طبعتها الجديدة.

ولقد طبعت هذه المجموعة المباركة لأول مرة بأمر وإرشاد مولانا ساكن الجنان العارف بالله تعالى الشيخ عبد الجواد الدومي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم أعيد طبعها للمرة الثانية، ثم للمرة الثالثة بأمر وإرشاد إمامنا العارف بالله تعالى شيخ الطريقة، الجامع بين الشريعة والحقيقة، الشيخ محمد أحمد الطاهر الحامدي.

وها هي ذي اليوم يعاد طبعها للمرة الخامسة، عسى الله تعالى أن ينفع بها في ثوبها الجديد كما نفع بسابقاتها من قبل، وأن يرضى عن أهل هذه الطريقة وعن آبائهم، وأن يرحمنا بهم ويحشرنا معهم وسائر أحباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

مروان أحمد مروان
رئيس عام منطقة أسيوط الأزهرية
ومن علماء الأزهر الشريف
٢ ربيع عام ١٣٩٩ هـ — أول فبراير ١٩٧٩ م
صورة الشيخ أحمد متولي محمد سلام
ترجمة وسيرة

فضيلة العارف بالله سيدي الشيخ أحمد متولي محمد سلام رضي الله عنه

التقديم، والنسب والنشأة والتعليم والحياة العملية والتصوف

تقديم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ﷺ الذي أرسلته رحمة للعالمين.

وبعد،

كثر طلب الأحباب والإخوان في طباعة كتاب: (اللآلئ السنية) مرة أخرى في صورة جديدة كثوب قشيب١، لما عز وجودها واحتياجهم لها بعد نفاد نسخها التي كانت عندنا، فكلفنا بعض الإخوان بترتيبها ومراجعتها.

وتذكرت قول شيخي فضيلة العارف بالله الشيخ مروان أحمد مروان عندما جددنا البيعة في مسجد السباعي بالقاهرة، حيث سمعته في مكبرات الصوت هنالك يقول: سمعت من سيدي الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد رضي الله عنه يقول: عندما جددنا البيعة على يديه، إن لم يكن ثدي الأم يرضع ترضع لها أمها، فإن لم أكن أهلًا للتربية والإرشاد والإمداد، فأرجو من الله عز وجل أن يكون إرشاد وإمداد مشايخنا إلى الأحباب واصلًا وبهم موصولًا.

اللآلئ السنية هي أوراد الطريقة الخلوتية، وكل ما فيها مأذون به لكل الأحباب والإخوان.

والتصوف هو الإسلام العملي، وينقسم إلى قسمين:

أولهما: الاعتناء بالنفس وتزكيتها.

وثانيهما: الاعتناء بالقلب وتنويره؛ ليتلقى الأنوار والفيوضات والأسرار.

وأشكر الأستاذ زكريا مروان على ما أمدنا به يومًا من طبع نسخة لها مع وجود مقدمة له فيها، والآن نطبعها كما هي بعد المراجعة.

أسأل الله عز وجل أن يرزق الأحباب والإخوان التوفيق لقراءتها وتلاوتها والعمل بما فيها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

كتبهأحمد متولي سلامخادم الفقراءإمام وخطيب ومدرس بوزارة الأوقاف بالإسكندرية

١ قشيب: معناها ثوب نظيف.

بسم الله الرحمن الرحيم

أولًا / الاسم والنسب:

هو السيد الشريف الشيخ أحمد بن متولي بن محمد بن سلام بن أحمد بن سلام بن عثمان بن جمال الدين اليمني، وجمال الدين هو جده الداخل إلى مصر وإليه تنسب قبيلة اليمني، والذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، فهو الشافعي المذهب، صاحب المقام المزار حاليا في بلدة العدسات بمحافظة الأقصر.

ثانيًا / المولد والنشأة:

وافقت الولادة المباركة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة 1387 هجرية، الحادي عشر من شهر مارس سنة 1968 ميلادية، ببلدة أرمنت الحيط بمحافظة الأقصر، من أبوين كريمين تقيين شريفين، قد التقيا في النسب الشريف عند الجد السادس عثمان بن جمال الدين اليمني الشافعي.

لقد من الله تعالى عليه بنشأة في بيت يغمره دفء روح التصوف، كما كانت الأوراد والصلوات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تنقطع من بيتهم، فقد كان والده -رحمه الله- محبا لمجالس العلم والذكر، فكثيرا ما انعقدت تلك المجالس في بيتهم، بحديث وطيب دعوة منه يوجهها لكل من عرف فيه سمت المعرفة والعلم.

وفي الحقيقة فإن هذا ليس بمستغرب؛ ففي ذاك الزمان لم يكن يخلو بيت، أو مسجد من عقد مجالس القرآن، والذكر والعلم والصلوات على حب الأنام، فقد كان العلماء وأصحاب الفطرة السليمة يعمرون أرجاء هذه البلاد. وفي هذا المناخ العلمي والروحي غمر هذا القلب الناشئ بحب واسع للتصوف، ومع تعدد العلماء والمجالس والمشارب، تعددت الثقافات التي حظي بها في مدارس التصوف المختلفة.

رابعًا / التعليم:

أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم في كتاب البلدة، ثم التحق بالأزهر الشريف ليبدأ بمعهد زغلول الابتدائي بأرمنت الحيط متما فيه دراسته الابتدائية، ثم معهد أرمنت الحيط الإعدادي بنين، ثم أتم شهادته الثانوية بمعهد أرمنت الوابرات الثانوي الأزهري، ليلتحق بعد ذلك بكلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر، متخرجا في قسم الدعوة سنة 1993م. ثم التحق مباشرة بالقوات المسلحة؛ ليتم أداء واجب الخدمة الوطنية، حيث أنهى خدمته بالشؤون المعنوية بالقوات المسلحة سنة 1995م.

خامسًا / حياته العملية:

ابتدأ - حفظه الله ورعاه - عمله الوظيفي بوزارة الأوقاف المصرية إمامًا وخطيبًا لمسجد أحمد بيك العديسي بقرية العدسات بالأقصر، حيث قدر الله له أن يكون أول توظيفه في القرية التي بها ضريح جده السيد جمال الدين اليمني، وظل متنقلا بين مساجد وزارة الأوقاف بمديرية الأقصر إلى أن جاءت الإشارة المباركة بالانتقال إلى محافظة الإسكندرية، وذلك في شهر مارس سنة 2005م، مصطحبا معه أسرته الكريمة حفظهم الله ورعاهم، فقد رزقه الله بزوجة صالحة، رزق منها ببنتين كريمتين، وولدا كر يما.

سادسًا / تصوفه -رضي الله عنه-:

لقد شاءت إرادة الله أن يحفظ معين العلم في ورثته، فقد قيد الله تعالى له عالما عاملا - لا نزكي على الله أحدا - نحسبه والله حسيبه من أهل النضرة، وهو الأستاذ الدكتور محمود أمين مكي، رئيس قسم النفسي وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية بأسوان، جامعة الأزهر الشريف - رحمه الله -.

فقد جمعت بينهما رحم القرابة من الأم، وقد جمع الله بينهما محبة واتباعا، وهنا كانت البذرة والغرس الأهم في حياة شيخنا على المستوى العلمي، فقد كان الدكتور محمود أمين -رحمه الله- صاحب بصيرا، وكان شيخنا ممن كانوا يقرؤون له وقد سكن معه في أيام الدراسة بالكلية، ملازما له طوال فترة الماجستير والدكتوراة، يقرأ له ويكتب له ويعينه، وقد كان الدكتور محمود أمين -رحمه الله- كثيرا ما يطرح النقاشات العلمية عليه، وكان يغرز فيه أدب العلم والتعلم والعلماء، وعلوم الأدوات والمناهج واختلافاتها وعلوم الاستنباط وفهم النصوص وحبه الكتب.

إلا أن فضل الدكتور / محمود أمين مكي لم يكن ليتوقف عند هذا الحد، فقد كان رحمه الله عليه خلوتي الخرقة، سائرا متلقيا للعهد على يد شيخه العالم العامل العارف بالله تعالى كنز زمانه الشيخ مروان أحمد مروان شيخ الطريقة الخلوتية الرملية -رحمه الله ورضي عنه –، ومن هنا جعله الله سببا، وساق على يديه الفضل الأكبر والجود الأعظم على شيخنا بأن أجلسه بين يدي فضيلة الشيخ / مروان أحمد مروان؛ ليبدأ على يديه فيه إلى الله.

وشاءت إرادة الله أن يكون تلقي شيخنا للعهد على يد الشيخ مروان في احتفلا عظيم بليلة المولد النبوي الشريف، فقد دعاه الشيخ مروان إليه، وأجلسه بين يديه، ولقنه العهد ليبدأ فيه إلى الله تعالى.

بدأ شيخنا فيه إلى الله على يد شيخه في رحلة لا يعلمها إلا من خبرها، وكان فضل الله عليه عظيما، ذلك أنه قد عاصر في فترة سيره، وتربيته مجموعة من لآلئ الطريق من السادة العلماء الوارثين مثل العارف بالله تعالى الشيخ عامر عبد الرحيم، رحمه الله، وكان وقتها شيخا للطريق، ولم يكن الشيخ مروان قد نال مشيخة الطريق بعد، كما نال شرف النشأة والتربية في كنف العارف بالله الشيخ المصري محمد الطاهر الذي كان له الأثر الأكبر في تربيته وترقيه في الطريق، فقد احتضنه في كنفه، وأسبل أياديه البيضاء عليه؛ لذلك نجد شيخنا لا يخلوا مجلسا من مجالسه إلا ويذكره مشيدا به وبحنانه عليه، معددا من مناقبه ما تضيق عنه السطور.

ولقد أتم الله تعالى فضله عليه بتمام ترقيته في الأسماء السبعة على نهج السادة الخلوتية، إلى أن أذن له الشيخ مروان أحمد مروان ثلاث مرات بإعطاء الأوراد وإقامة مجالس الذكر، ليكون بذلك مرشدا في الطريق إلى الله على نهج رسول الله ﷺ بما عاهد عليه شيخه، وورثه منه حالا ومقال.

لقد كان الشيخ مروان أحمد مروان من أصحاب الهمة التي تعجز عن إدراكها الهمم، فلم يكن يتوانى لحظة في متابعة سير الطريق والدعوة إلى الله، لذلك نجده كثيرا ما كان ينزل على شيخنا في مجالسه المنعقدة آنذاك في قريتي العدسات والروافعة، ويحضر صلاة الجمعة وانعقاد المجالس، ثم يدعوا شيخنا المريدين جميعهم لتجديد العهد على يدي شيخه الشيخ مروان؛ حتى يكونوا موصولين بتمامهم بسلسلة الطريق، وكان هذا دأبه -رحمه الله- إلى نهاية حياته.

وقد حدث في الطريق بين إخواننا بعض الأحداث، التي لا تقدح فيه، وكلهم نحسبهم على خير، ولا نزكي على الله أحد، ولكن من يكون شيخا للطريق؛ فيجمع القلوب، ويقربها، فلما كان نأى شيخنا في الأسكندرية بعيدا عن هذه الأحداث بنفسه؛ لأن الشيخ محبا لإخوانه، وكل من كان معه إذنا بالإرشاد، فهو له محب، ويعتبره من أشياخه، وبقي على ما أخذه من فضيلة الشيخ مروان منهجًا شربه وتشبع به، وما كان قبلها إلا التوفيق من الله، والأخذ بوصية رسول الله، منفذا لوصية وميراث شيخه بالدعوة إلى الله دون الالتفات إلى كل ما من شأنه التعطيل عن القصد، والوجهة، ورسالة الإرشاد.

الحمد لله الذي له المنة والفضل، فها نحن في يومنا هذا الذي دونت فيه هذه السيرة العطرة، سائلين الله تعالى لها دوام الإمداد وكمال الإسعاد، ينعقد مجلس الشيخ في روضة السادة الخلوتية الرملية بالمندرة بمحافظة الإسكندرية، قائما على ميراث نهج الشيوخ، ومن قبلهم من سلسلة الطريق إلى حضرة رسول الله ﷺ، حيث يعقد مجلس الذكر ليلتي الاثنين والجمعة من كل أسبوع، معتمدين على كتب الطريقة الخلوتية الرملية، فكتاب مطية السالك إلى مالك الممالك لا يخلوا منه بيت من بيوت الأحباب، وهو أول ما تنبسط عليه سجيتهم المعرفية في التصوف من باب معرفة الطريق، وأركانه ومختلف المفاهيم التي تناولها كتاب المطية، ثم تتوج بسواطع أنوار اللآلي السنية من أوراد الطريقة الخلوتية الرملية، غير أننا ننتهي في كافة الأبيات التي اشتملت على التوسل برجال الطريق في مختلف القصائد بشيخنا الشيخ مروان أحمد مروان رحمه الله؛ لأنه نهاية انتظام عقد العهد بداية من رسولنا حتى شيخنا، فمنه يبدأ نسب شيخنا، وتلقينه العهد وتربيته والإذن له بالإرشاد، ومنه تكون بداية أول حلقات الاستمداد، فما من أحد من الأحبة إلا وكانت أول خطواته في الطريق متوجة برؤية الشيخ مروان مناما، وهو ما يشهد به الجميع.

ولما كانت همة الشيخ -رضي الله عنه- وجزاه الله عنا في الجزاء وأتمه وأوفاه، وهمه الأكبر هو تنفيذ ما ائتمنه عليه الشيخ مروان أحمد مروان -رحمه الله- من نشر الطريق وإقامة المجالس، كانت الثمرة بفضل الله قائمة مشهودة، فالطريق بفضل الله في انتشار وفي زيادة، والحمد لله تتابع الاتصال، والإمداد من أشياخ الطريق إلى كافة الأحباب يشهدون به، وثماره ظاهرة عليهم، وما بكم من نعمة فمن الله، فالطريق اليوم هي الإسلام، بعدما كان الأصل فيها الوصول إلى منازل الإحسان، ولكن فضل الله والخير في أمة رسول الله ﷺ، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من الدنيا وما فيها، فجزاهم الله عنا ما هو أهله، فسبحانه وتعالى هو أهل الفضل واسع الرحمة والمغفرة.