فضيلة العارف بالله سيدي الشيخ أحمد متولي محمد سلام رضي الله عنه
التقديم، والنسب والنشأة والتعليم والحياة العملية والتصوف
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ﷺ الذي أرسلته رحمة للعالمين.
وبعد،
كثر طلب الأحباب والإخوان في طباعة كتاب: (اللآلئ السنية) مرة أخرى في صورة جديدة كثوب قشيب١، لما عز وجودها واحتياجهم لها بعد نفاد نسخها التي كانت عندنا، فكلفنا بعض الإخوان بترتيبها ومراجعتها.
وتذكرت قول شيخي فضيلة العارف بالله الشيخ مروان أحمد مروان عندما جددنا البيعة في مسجد السباعي بالقاهرة، حيث سمعته في مكبرات الصوت هنالك يقول: سمعت من سيدي الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد رضي الله عنه يقول: عندما جددنا البيعة على يديه، إن لم يكن ثدي الأم يرضع ترضع لها أمها، فإن لم أكن أهلًا للتربية والإرشاد والإمداد، فأرجو من الله عز وجل أن يكون إرشاد وإمداد مشايخنا إلى الأحباب واصلًا وبهم موصولًا.
اللآلئ السنية هي أوراد الطريقة الخلوتية، وكل ما فيها مأذون به لكل الأحباب والإخوان.
والتصوف هو الإسلام العملي، وينقسم إلى قسمين:
أولهما: الاعتناء بالنفس وتزكيتها.
وثانيهما: الاعتناء بالقلب وتنويره؛ ليتلقى الأنوار والفيوضات والأسرار.
وأشكر الأستاذ زكريا مروان على ما أمدنا به يومًا من طبع نسخة لها مع وجود مقدمة له فيها، والآن نطبعها كما هي بعد المراجعة.
أسأل الله عز وجل أن يرزق الأحباب والإخوان التوفيق لقراءتها وتلاوتها والعمل بما فيها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
١ قشيب: معناها ثوب نظيف.
أولًا / الاسم والنسب:
هو السيد الشريف الشيخ أحمد بن متولي بن محمد بن سلام بن أحمد بن سلام بن عثمان بن جمال الدين اليمني، وجمال الدين هو جده الداخل إلى مصر وإليه تنسب قبيلة اليمني، والذي ينتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، فهو الشافعي المذهب، صاحب المقام المزار حاليا في بلدة العدسات بمحافظة الأقصر.
ثانيًا / المولد والنشأة:
وافقت الولادة المباركة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من شهر ذي الحجة سنة 1387 هجرية، الحادي عشر من شهر مارس سنة 1968 ميلادية، ببلدة أرمنت الحيط بمحافظة الأقصر، من أبوين كريمين تقيين شريفين، قد التقيا في النسب الشريف عند الجد السادس عثمان بن جمال الدين اليمني الشافعي.
لقد من الله تعالى عليه بنشأة في بيت يغمره دفء روح التصوف، كما كانت الأوراد والصلوات على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تنقطع من بيتهم، فقد كان والده -رحمه الله- محبا لمجالس العلم والذكر، فكثيرا ما انعقدت تلك المجالس في بيتهم، بحديث وطيب دعوة منه يوجهها لكل من عرف فيه سمت المعرفة والعلم.
وفي الحقيقة فإن هذا ليس بمستغرب؛ ففي ذاك الزمان لم يكن يخلو بيت، أو مسجد من عقد مجالس القرآن، والذكر والعلم والصلوات على حب الأنام، فقد كان العلماء وأصحاب الفطرة السليمة يعمرون أرجاء هذه البلاد. وفي هذا المناخ العلمي والروحي غمر هذا القلب الناشئ بحب واسع للتصوف، ومع تعدد العلماء والمجالس والمشارب، تعددت الثقافات التي حظي بها في مدارس التصوف المختلفة.
رابعًا / التعليم:
أكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم في كتاب البلدة، ثم التحق بالأزهر الشريف ليبدأ بمعهد زغلول الابتدائي بأرمنت الحيط متما فيه دراسته الابتدائية، ثم معهد أرمنت الحيط الإعدادي بنين، ثم أتم شهادته الثانوية بمعهد أرمنت الوابرات الثانوي الأزهري، ليلتحق بعد ذلك بكلية أصول الدين والدعوة جامعة الأزهر، متخرجا في قسم الدعوة سنة 1993م. ثم التحق مباشرة بالقوات المسلحة؛ ليتم أداء واجب الخدمة الوطنية، حيث أنهى خدمته بالشؤون المعنوية بالقوات المسلحة سنة 1995م.
خامسًا / حياته العملية:
ابتدأ - حفظه الله ورعاه - عمله الوظيفي بوزارة الأوقاف المصرية إمامًا وخطيبًا لمسجد أحمد بيك العديسي بقرية العدسات بالأقصر، حيث قدر الله له أن يكون أول توظيفه في القرية التي بها ضريح جده السيد جمال الدين اليمني، وظل متنقلا بين مساجد وزارة الأوقاف بمديرية الأقصر إلى أن جاءت الإشارة المباركة بالانتقال إلى محافظة الإسكندرية، وذلك في شهر مارس سنة 2005م، مصطحبا معه أسرته الكريمة حفظهم الله ورعاهم، فقد رزقه الله بزوجة صالحة، رزق منها ببنتين كريمتين، وولدا كر يما.
سادسًا / تصوفه -رضي الله عنه-:
لقد شاءت إرادة الله أن يحفظ معين العلم في ورثته، فقد قيد الله تعالى له عالما عاملا - لا نزكي على الله أحدا - نحسبه والله حسيبه من أهل النضرة، وهو الأستاذ الدكتور محمود أمين مكي، رئيس قسم النفسي وعلومه بكلية الدراسات الإسلامية بأسوان، جامعة الأزهر الشريف - رحمه الله -.
فقد جمعت بينهما رحم القرابة من الأم، وقد جمع الله بينهما محبة واتباعا، وهنا كانت البذرة والغرس الأهم في حياة شيخنا على المستوى العلمي، فقد كان الدكتور محمود أمين -رحمه الله- صاحب بصيرا، وكان شيخنا ممن كانوا يقرؤون له وقد سكن معه في أيام الدراسة بالكلية، ملازما له طوال فترة الماجستير والدكتوراة، يقرأ له ويكتب له ويعينه، وقد كان الدكتور محمود أمين -رحمه الله- كثيرا ما يطرح النقاشات العلمية عليه، وكان يغرز فيه أدب العلم والتعلم والعلماء، وعلوم الأدوات والمناهج واختلافاتها وعلوم الاستنباط وفهم النصوص وحبه الكتب.
إلا أن فضل الدكتور / محمود أمين مكي لم يكن ليتوقف عند هذا الحد، فقد كان رحمه الله عليه خلوتي الخرقة، سائرا متلقيا للعهد على يد شيخه العالم العامل العارف بالله تعالى كنز زمانه الشيخ مروان أحمد مروان شيخ الطريقة الخلوتية الرملية -رحمه الله ورضي عنه –، ومن هنا جعله الله سببا، وساق على يديه الفضل الأكبر والجود الأعظم على شيخنا بأن أجلسه بين يدي فضيلة الشيخ / مروان أحمد مروان؛ ليبدأ على يديه فيه إلى الله.
وشاءت إرادة الله أن يكون تلقي شيخنا للعهد على يد الشيخ مروان في احتفلا عظيم بليلة المولد النبوي الشريف، فقد دعاه الشيخ مروان إليه، وأجلسه بين يديه، ولقنه العهد ليبدأ فيه إلى الله تعالى.
بدأ شيخنا فيه إلى الله على يد شيخه في رحلة لا يعلمها إلا من خبرها، وكان فضل الله عليه عظيما، ذلك أنه قد عاصر في فترة سيره، وتربيته مجموعة من لآلئ الطريق من السادة العلماء الوارثين مثل العارف بالله تعالى الشيخ عامر عبد الرحيم، رحمه الله، وكان وقتها شيخا للطريق، ولم يكن الشيخ مروان قد نال مشيخة الطريق بعد، كما نال شرف النشأة والتربية في كنف العارف بالله الشيخ المصري محمد الطاهر الذي كان له الأثر الأكبر في تربيته وترقيه في الطريق، فقد احتضنه في كنفه، وأسبل أياديه البيضاء عليه؛ لذلك نجد شيخنا لا يخلوا مجلسا من مجالسه إلا ويذكره مشيدا به وبحنانه عليه، معددا من مناقبه ما تضيق عنه السطور.
ولقد أتم الله تعالى فضله عليه بتمام ترقيته في الأسماء السبعة على نهج السادة الخلوتية، إلى أن أذن له الشيخ مروان أحمد مروان ثلاث مرات بإعطاء الأوراد وإقامة مجالس الذكر، ليكون بذلك مرشدا في الطريق إلى الله على نهج رسول الله ﷺ بما عاهد عليه شيخه، وورثه منه حالا ومقال.
لقد كان الشيخ مروان أحمد مروان من أصحاب الهمة التي تعجز عن إدراكها الهمم، فلم يكن يتوانى لحظة في متابعة سير الطريق والدعوة إلى الله، لذلك نجده كثيرا ما كان ينزل على شيخنا في مجالسه المنعقدة آنذاك في قريتي العدسات والروافعة، ويحضر صلاة الجمعة وانعقاد المجالس، ثم يدعوا شيخنا المريدين جميعهم لتجديد العهد على يدي شيخه الشيخ مروان؛ حتى يكونوا موصولين بتمامهم بسلسلة الطريق، وكان هذا دأبه -رحمه الله- إلى نهاية حياته.
وقد حدث في الطريق بين إخواننا بعض الأحداث، التي لا تقدح فيه، وكلهم نحسبهم على خير، ولا نزكي على الله أحد، ولكن من يكون شيخا للطريق؛ فيجمع القلوب، ويقربها، فلما كان نأى شيخنا في الأسكندرية بعيدا عن هذه الأحداث بنفسه؛ لأن الشيخ محبا لإخوانه، وكل من كان معه إذنا بالإرشاد، فهو له محب، ويعتبره من أشياخه، وبقي على ما أخذه من فضيلة الشيخ مروان منهجًا شربه وتشبع به، وما كان قبلها إلا التوفيق من الله، والأخذ بوصية رسول الله، منفذا لوصية وميراث شيخه بالدعوة إلى الله دون الالتفات إلى كل ما من شأنه التعطيل عن القصد، والوجهة، ورسالة الإرشاد.
الحمد لله الذي له المنة والفضل، فها نحن في يومنا هذا الذي دونت فيه هذه السيرة العطرة، سائلين الله تعالى لها دوام الإمداد وكمال الإسعاد، ينعقد مجلس الشيخ في روضة السادة الخلوتية الرملية بالمندرة بمحافظة الإسكندرية، قائما على ميراث نهج الشيوخ، ومن قبلهم من سلسلة الطريق إلى حضرة رسول الله ﷺ، حيث يعقد مجلس الذكر ليلتي الاثنين والجمعة من كل أسبوع، معتمدين على كتب الطريقة الخلوتية الرملية، فكتاب مطية السالك إلى مالك الممالك لا يخلوا منه بيت من بيوت الأحباب، وهو أول ما تنبسط عليه سجيتهم المعرفية في التصوف من باب معرفة الطريق، وأركانه ومختلف المفاهيم التي تناولها كتاب المطية، ثم تتوج بسواطع أنوار اللآلي السنية من أوراد الطريقة الخلوتية الرملية، غير أننا ننتهي في كافة الأبيات التي اشتملت على التوسل برجال الطريق في مختلف القصائد بشيخنا الشيخ مروان أحمد مروان رحمه الله؛ لأنه نهاية انتظام عقد العهد بداية من رسولنا حتى شيخنا، فمنه يبدأ نسب شيخنا، وتلقينه العهد وتربيته والإذن له بالإرشاد، ومنه تكون بداية أول حلقات الاستمداد، فما من أحد من الأحبة إلا وكانت أول خطواته في الطريق متوجة برؤية الشيخ مروان مناما، وهو ما يشهد به الجميع.
ولما كانت همة الشيخ -رضي الله عنه- وجزاه الله عنا في الجزاء وأتمه وأوفاه، وهمه الأكبر هو تنفيذ ما ائتمنه عليه الشيخ مروان أحمد مروان -رحمه الله- من نشر الطريق وإقامة المجالس، كانت الثمرة بفضل الله قائمة مشهودة، فالطريق بفضل الله في انتشار وفي زيادة، والحمد لله تتابع الاتصال، والإمداد من أشياخ الطريق إلى كافة الأحباب يشهدون به، وثماره ظاهرة عليهم، وما بكم من نعمة فمن الله، فالطريق اليوم هي الإسلام، بعدما كان الأصل فيها الوصول إلى منازل الإحسان، ولكن فضل الله والخير في أمة رسول الله ﷺ، ولأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من الدنيا وما فيها، فجزاهم الله عنا ما هو أهله، فسبحانه وتعالى هو أهل الفضل واسع الرحمة والمغفرة.