الطريقةُ الخلوتية الرمليةمشايخ الطريقة
صورة الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد
ترجمة وسيرة

ترجمة مولانا العارف بالله الشيخ عامر عبد الرحيم سعيد رضي الله عنه

العلم والورع والقناعة وخدمة مسجد السباعي

بسم الله الرحمن الرحيم

هو العالم التقي الورع النقي، صاحب الأخلاق الفاضلة والصفات الكاملة، والكرامات الباهرة، والمناقب الواضحة، والسيرة العطرة، والأنوار الساطعة. كان رضي الله تعالى عنه متمسكاً بالشرع الحنيف والسنة النبوية الغراء في مأكله ومشربه، وقيامه وجلوسه، وجميع حركاته وسكناته منذ نشأته دائم النظر والتفكر في ملكوت الله لا يشغله شاغل إلا التأمل في هذا الكون العجيب.

وقد لفت كثرة استغراقه وتأمله نظر والده فظن أن به مرضاً فعرضه على العارف بالله المنسفيسي في زيارته لبلده المدمر، فنظر إليه وقال رضي الله عنه: (اترك لي عامر) ومنذ هذه اللحظة تعلق قلب شيخنا بالعارف بالله تعالى المنسفيسي حتى إنه كان يقطع المسافات البعيدة من قرية المدمر إلى قرية عواجة ماشياً على قدميه لاجتماعه به وحضور دروس علمه وكان من أثر هذا التعلق أن توجه فضيلته لحفظ القرآن الكريم.

الإجازة العالمية

ولما أتم حفظه سافر إلى الإسكندرية وحصل على الشهادة الابتدائية من معهد الإسكندرية وكان الطلاب يدرسون بمسجد سيدي ياقوت العرش.

وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى عاد من الإسكندرية متجهاً إلى معهد أسيوط الديني والتحق به وحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم اتجه إلى كلية أصول الدين بالقاهرة وحصل على الشهادة العالمية مع تخصص المادة (دكتوراه) قسم التفسير والحديث عام 1936م.

قرار التعيين

ثم رشح فضيلته للتدريس بالأزهر وأثناء المقابلة مع شيخ الأزهر (الإمام المراغي) آنذاك، وكان سَمْتُ شيخنا في أقواله ينم عن منهجه الصوفي، الأمر الذي جعل شيخ الأزهر يعدل عن تعيينه، ولما عرف العارف بالله الشيخ الدومي بعدم تعيينه، وكان شيخنا قد تلقى العهد عليه، قال له: (أما ترضى أن تكون مكاني إماماً وخطيباً لمسجد سيدي السباعي) هل كانت هذه إشارة من الشيخ بدنو أجله رضي الله عنه ولحاقه بالرفيق الأعلى؟! وعندما اشتد المرض عليه أشار إلى صهره الحاج أمين عبد السلام وكان رجلاً صالحاً من أبناء الطريق العاملين أن يقوم بإجراءات التعيين لفضيلة الشيخ عامر إماماً للمسجد وقد عين بالشهادة الثانوية إماماً لمسجد السباعي، فرضي بذلك مؤثراً الإمامة على أي عمل آخر يتفق ومؤهله العالي الكبير الذي يعادل شهادة الدكتوراه في عصرنا وذلك امتثالاً لرغبة شيخه ولم يترك المسجد والإمامة ولم يرضَ بأي ترقية وظيفية حتى نهاية عمره.

القناعة من الرضا:

واستمر الشيخ عامر قانعاً راضياً بما يقوم به من عمل سنوات طويلة حتى صدر قرار بإنصاف الموظفين حملة الشهادات العليا، وكان الشيخ عامر واحداً منهم وجاء إليه الشيخ حسين خليل يهنئه على زيادة مرتبه إلى الضعف، فردَّ عليه الشيخ عامر ودموعه تسابقه.. حتى أنت يا مولانا؟ فقد كان الحساب يوم القيامة على خمس جنيهات فأصبح الآن عشرة.. وظل يبكي بكاءً شديداً، وهذا من أهم ما يميز الشيخ عامر (القناعة) وكان دائماً يقول إن القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد، فهذا أول الرضى وهذا أول الزهد.

ومن أهم ميزاته رضي الله عنه أنه كان يأخذ نفسه بعزائم الأمور ولا يترخص في شيء من معاملاته ومجاهداته لأنه كان لا يقول ولا يعلم إلا ما يفعله واقعاً، ولذلك رأى الناس فيه نوعاً من التشدد وما ذاك إلا لشدة خوفه من أن يصدق عليه قوله تعالى: «لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ»

زواجـه:

في الوقت الذي تولى فيه إمامة مسجد السباعي بإذن من شيخه الدومي فإنه قد تزوج بإذنه أيضاً، فقد قال له الإمام الدومي زوجتك في بيت فلان أو عند فلان، فلما ذهب إلى رؤية من يريد الاقتران بها، قالت في دهشة عندما رأته: هو الشيخ الذي رأيته في المنام، وكانت رأت في المنام وهي تقرأ سورة الضحى رجلاً شقَّ جدار منزلها في بلدتها (طوخ) وأخذ يصحح لها قراءتها في تلك السورة فانصرف ثم استيقظت، فلما جاء لخطبتها عرفته وقالت هو الشيخ الذي رأيته في المنام.

من خطبه رضي الله عنه:

اعلم أن المطلوب من الناس أن يقوموا بأمر دنياهم فإنه لا ينتظم الدين إلا بالدنيا، ولا تنال السعادة غداً إلا من هنا فإن الدنيا مزرعة الآخرة، وهي الآلة الموصلة إلى رضا الله عز وجل، لمن اتخذها آلة وطريقاً، ولم يتخذها موطناً ومستقرًّا، واعلموا أن الدولة بالرجال ولا رجال إلا بالمال، ولا مال إلا في الصناعة والزراعة والتجارة، والعمل الدائم في سبيل الإنتاج وإتقان الأعمال، فإتقان العمل وتجويده أساس الإنتاج والزيادة، ومطلب شرعي يثاب العبد عليه دنيا وأخرى، فالمطلوب من المسلم إذا صلى أن يحسن صلاته ويؤديها على الوجه الأكمل الذي أمر الله به، وكذا باقي العبادات، وإذا كان صانعاً فالمطلوب منه أن يحسن صنعته، وأن يعمل على زيادة الإنتاج، وكذا الحال في باقي المهن حتى يجني منها أطيب الثمرات وينفع نفسه وأهله.

وفي كلتا الحالتين كن طالباً رضا مولاك، فالمؤمن الكامل الذي رزق يقظة الفؤاد يثاب على طعامه وشرابه ونومه وتناول شهواته بحسن نيته وإخلاصه لربه، كما يثاب على صلاته وصومه، فاتقوا الله عباد الله واحرصوا على ما ينفعكم في دينكم ودنياكم قبل أن ينتهي موسم حصادها.

قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان أو طير أو بهيمة إلا كانت له صدقة» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه مسلم).

ومن خطبه أيضاً:

قال صلى الله عليه وسلم: «على كل مسلم صدقة» قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: «يعمل بيده فينفع لنفسه ويتصدق» قال فإن لم يستطع؟ قال: فيعين ذا الحاجة والملهوف، أرأيت إن لم يفعل؟ قال: فيأمر بالخير فإن لم يفعل فيمسك عن الشر فإنها صدقة (رواه أحمد والشيخان والنسائي).

أيها المسلمون هذا الحديثُ الكريمُ قد جعل الناس درجات حسب مواهبهم فالقوي الجَلْد زكاة قوته وجَلده أنه يزيد في إنتاج الأمة ويساهم في النهضة العامة وأن يصل نشاطه بنشاطهم لإسعاد نفسه وإسعادهم، وأن يتعاون معهم على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان وهو بهذا العمل ينفع نفسه ويؤدي الحق الواجب عليه تجاه مجتمعه، فاتقوا الله عباد الله وافعلوا الخير لعلكم تفلحون.

الحديث جاء في الخبر: أي الناس أحب إلى الله فقال: «أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. (رواه عبد الله).

فضائل الأخـلاق: استمر رضي الله عنه طيلة حياته يربي أجيالاً من الشباب والرجال والنساء على فضائل الأخلاق فكان دائماً يقول: إن من شروط التصوف الالتزام بالطريق الموصل إلى محبة الله ورضوانه والذي يصفو فيه القلب من الأغيار ويكون شغله الشاغل معرفة الله ومحبته وذكره ومراقبته على كل حال وفي كل مكان وزمان، فالقلب الذي صفا من الأغيار لا يرى غير الله تعالى.. وظل يعمل جاهداً على تصحيح المفاهيم الإسلامية وكذا تصحيح المفاهيم الخاطئة عن التصوف، وتولى مشيخة الطريقة بعد انتقال فضيلة الشيخ محمد الطاهر من 1977م حتى 1991م، وقد انتقل رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى في 7 ربيع الأول سنة 1412هـ الموافق 16 سبتمبر 1991م، رحمه الله رحمة واسعة ونفعنا به رضي الله عنه، ودفن مع مشايخنا بالضريح العامري بالطحاوية بالإمام الشافعي بسفح المقطم.